غزة:
لم يحتَج الشاب محمد عبدو (٢١ عاماً) لممارسة العادات السينمائية كحجز تذكرة مشاهدة فيلم مقابل عائد مادي، أو مزاحمة الحضور للدخول لقاعات العرض السينمائية، فالأمر في قطاع غزة مختلف تماماً، فقد بات متاحاً أمام المحاصرين مشاهدة السنيما في الشارع دون دور عرض.
كانت تبدو ملامح البهجة على وجه محمد الذي كان يجلس على الأرض محملقاً في المشاهد السينمائية المعروضة بواسطة لوح جلدي مثبت على خشبتين أمامها جهاز العرض "البروجكتور".
هذا المشهد يأتي ضمن تجربة جديدة أُطلق عليها "سينما الشارع" ينفذّها مجموعة مبادرون أرادوا إحياء السينما الفلسطينية وإعادة مجدها بآليات بسيطة، علّها تكون متنفساً جديداً لمن أرهقتهم هموم الحياة في مدينة غزة المحاصرة منذ 12 عاماً.
ومحمد واحد من الأجيال الشابة التي لم تعاصر وجود السينما بغزة، يقول لـ "نوى": "لم أشاهد في حياتي أي من العروض السينمائية ودائماً كنت أستمع لتجارب والديّ الذين اعتادوا الذهاب لها قديماً حين كانت أبوابها مفتوحة أمامهم، أردت أن أعيش ما عاشوا حتى لو كان بأسلوب بسيط".
يتابع محمد: "فتحت المبادرة شهيتي لدراسة السينما أو فن الإخراج، هذا الأمر رائع لأن غزة من حقها كباقي المدن أن يكون لديها رصيد سينمائي فهناك الكثير من القضايا بحاجة لمعالجتها بطريقة فنية أكثر تأثيراً على المشاهد"، يتمنى أن يعود الزمن للوراء وترجع السينما المفقودة وتعج بالوافدين لتكون ثقافة سائدة.
"إن المبادرة جاءت كتجربة جديدة لمساعدة المواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة على ممارسة أساليب حياة جديدة غير التي اعتادوها في ظل الظروف المعيشية والاقتصادية الصعبة المسيطرة على القطاع، والهروب من أجواء الحصار عبر مشاهدة العروض السنيمائية علّهم ينسون بعضاً من همومهم"، هكذا بدأ صبحي الشاويش منسق مبادرة سينما شارع حديثه لـ "نوى" عن هذه التجربة.
ويضف الشاويش: "أن مشاهدة العروض السينمائية تستهدف جميع الفئات، فكثيراً تأتي عائلات بأكملها لمشاهة ما يُعرض، وهذا يشجعنا على الاستمرار في المبادرة رغم قلة الإمكانيات، فمن العدم صنعنا آلية عرض سينمائية دون الحاجة لقاعات كبيرة وفارهة".
وتُنفذ المبادرة في المناطق النائية التي تعاني التهميش تحديداً فئة الأطفال المحرومين من ممارسة أدنى حقوقهم، كالذهاب إلى مدن الألعاب، فهم لم يعتادوا سوى على القصف ومشاهدة الدمار، فجاءت المبادرة بأسلوب جديد محبب لهم كنوع من التفريغ وإضفاء أجواء من الفرحة والسعادة على قلوبهم حسبما وضّح المتحدث.
وتناقش العروض السينمائية المقدَمة العديد من القضايا السلوكية التي تحفّز المشاهد على الأفعال التربوية والتنشيطية والتثقيفيّة، ويتخلل ذلك القيام ببعض الأنشطة كالدبكة والغناء لكسر الجمود أحياناً أثناء المشاهدة.
اللافت أن إقبال المواطنين الفلسطينيين في غزة على المبادرة بدى أثره واضحاً، فمجرد وصول الفريق للمنطقة المستهدفة يهرعون إليها ويتجمعون للمشاهدة، حتى وصل عدد الحضور في بعض المناطق إلى أكثر من 200 شخص، فغالبيتهم لأول مرة يعيشون هذه التجربة خاصة فئة الجيل الجديد.
وفي ذات السياق رحب سالم شعبان (٥٥ عاماً) الذي جاء مصطحبا أبنائه الصغار وزوجته لحضور عرض فيلم ”UP“، الأبطال الستة، الذي يناقش الإصرار على تحقيق الأهداف والوصول اليها.
"أعادت بي مشاهدة الفيلم ذكرياتي القديمة عندما كنت أصطحب زوجتي إلى السينما في ثمانينات القرن الماضي، كانت حينها الأجواء رائعة جدا فكنا نقضي بعد الانتهاء من المشاهدة مناقشة أحداث الفيلم، والآن عدت لممارسة تلك الطقوس مع أولادي وبعد الانتهاء من مشاهدة الفيلم أناقش أحداثه مع أطفال وماذا استفادوا من مشاهدتهم له"، يقول شعبان.
ويضيف إنه يشجع فكرة عودة السينما إلى مدينة غزة، علّها تخفف من ضغوطات الحياة اليومية التي نعيشها مع ندرة وجود أماكن الترفيه، فهو يرى أن السينما لها دور قوي في تبادل الثقافات بين الشعوب.
وكانت فلسطين عرفت العروض السينمائيَّة منذ بداية القرن الماضي، حيث تشير الكتابات التاريخية إلى أن أول دار عرض سينمائي ظهرت في فلسطين هي "أوراكل" وذلك في مدينة القدس عام 1908، وفي عهد الانتداب البريطاني شهدت فلسطين زيادة ملحوظة في دور العرض السينمائية بالتزامن مع صدور القانون الخاص بالأشرطة السينمائية عام 1920.
وفي الثلاثينيات انتشرت في المدن الفلسطينية الرئيسة مجموعة من صالات السينما المجهّزة التي كانت تعرض الأفلام التجارية المصرية بشكل خاص على الجمهور، حيث عُرضت أفلام عربية وأجنبية، ناطقة وصامتة.
ويعود تاريخ السينما في غزّة، إلى أربعينيات القرن الماضي، حيث تم إنشاء أوّل دار للسينما عرفت باسم سينما "سامر" عام 1944، فيما توالى افتتاح دور السينما بعدها في سبعينيات القرن الماضي، وكانت من أشهرها سينما "النصر" و"الجلاء" و"عامر" و"السلام" و"صابرين"، وكانت تُعرض فيها أفلام معظمها مصرية.
لكن طبيعة الأحداث التي مرّت على قطاع غزة منذ الثمانينيات، وخصوصاً انتفاضة عام 1987 في وجه الاحتلال الإسرائيلي، كان لها بالغ الأثر في إغلاق دور السينما وعدم الاكتراث لوجودها حتى يومنا هذا.




























